علوم الآثار والتراث بالمغرب: بين مواجهة النسيان وبناء الهوية الوطنية
حين يتأمل الزائر موقع وليلي الأثري وسط بساط من أشجار الزيتون البري، يُدرك أن ما تحت قدميه ليس مجرد حجارة رومانية متناثرة، بل هو طبقات من الزمن المتراكم، من موريطانية ما قبل الرومان، إلى فجر الإسلام، إلى الحضارة الوسيطة المغربية. وهذا الإدراك هو ما تسعى علوم الآثار والتراث بالمغرب إلى ترسيخه: أن فهم الماضي شرط لازم لبناء حاضر متماسك ومستقبل واعٍ بهويته. وفي قلب هذا المسعى، يقع المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، مؤسسةً تجمع في رسالتها التكوين والبحث والحفاظ على الذاكرة الإنسانية.
علوم الآثار والتراث بالمغرب: امتداد تاريخي وتأسيس مؤسسي
لم تكن علوم الآثار والتراث بالمغرب وليدة لحظة تأسيسية بعينها، بل نمت ببطء في تربة تاريخية خصبة. فمنذ القرن التاسع عشر، بدأ المستكشفون الأوروبيون يُسجّلون الآثار المغربية ضمن مشاريع جيوسياسية ومعرفية مزدوجة الأهداف. وفي عهد الحماية، أسّس الفرنسيون جهازاً أثرياً مؤسسياً ظل حكراً إلى حد بعيد على الخبرات الأجنبية، مما خلف فراغاً كفاءاتياً حاداً حين استقل المغرب عام 1956.
وقد أدركت الدولة المستقلة حدة هذا الفراغ في حقل علوم الآثار والتراث بالمغرب، فعمدت إلى وضع لبنات مؤسسية تدريجية: المعهد الوطني للآثار والتراث المنشأ في الستينيات، مديرية التراث الثقافي، ثم مراجعة المنظومة التكوينية كلياً في الثمانينيات. وفي عام 1986، تأسّس المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط في صيغته الأكاديمية الراهنة، جامعاً تحت سقف واحد مهام التكوين العالي والبحث الميداني وصون الموروث الحضاري الوطني.
منذ ذلك الحين، غدا المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط المشتلة الرئيسية التي تخرج منها الأطر المغربية المتخصصة في ميادين الحفريات وعلم المتاحف وترميم المباني التاريخية وتدبير الموروث اللامادي. وقد صدّر المعهد كفاءاته إلى مؤسسات حكومية متعددة كوزارة الثقافة والمندوبية السامية للمياه والغابات وجماعات ترابية واسعة، فضلاً عن منظمات دولية كاليونسكو والإيكروم وصندوق الآغاخان للتنمية.
علوم الآثار والتراث بالمغرب: ثروة جيولوجية وإنسانية تستدعي التخصص
لا يمكن الحديث عن علوم الآثار والتراث بالمغرب دون استيعاب الثروة الهائلة التي تستدعي العناية البحثية والعلمية. فالمغرب يحتضن تنوعاً أثرياً وتراثياً نادراً على المستوى العالمي، يمتد من آثار ما قبل التاريخ البشري في منطقة جبل إيغود التي أثبتت الدراسات الحديثة أن الإنسان العاقل المبكر استوطنها منذ نحو ثلاثمئة ألف عام، إلى رسوم الكهوف في الجنوب المغربي والأدوات الحجرية في العديد من المواقع، إلى العمارة الفينيقية والقرطاجية في ليكسوس على ضفة المحيط الأطلسي، إلى الفسيفساء والأبواب الرومانية الشامخة في وليلي وتامودة وزليل. ولا تقل شواهد المغرب الإسلامي الوسيط رسوخاً وعمقاً، من قرويين فاس بوصفها أقدم جامعة في العالم، إلى جوامع ومدارس وأسوار المدن العتيقة في مراكش وسلا ومكناس والصويرة.
وتستدعي هذه الثروة المتعددة الطبقات برامج تكوينية متخصصة، وهو بالضبط ما يُقدّمه المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط. فمسار علم الآثار الميداني يُلقّن الطلاب منهجيات التنقيب الدقيق من توثيق طبقي وتحليل للقطع الأثرية وقراءة للسياق الجغرافي والبيئي. ومسار حفظ وترميم التراث المعماري يُعدّ المختصين لمواجهة الهشاشة المتسارعة للمباني التاريخية في ظل عوامل الزمن والتوسع العمراني والسياحة المكثفة. أما مسار التراث اللامادي والإثنوغرافيا، فيُكوّن الباحثين في حماية الموسيقى الأمازيغية وتلاوات الملحون والصناعات التقليدية والروايات الشفهية قبل أن تبتلعها العولمة وتُذيبها في بوتقتها المُنمّطة.
وتتضمن برامج علوم الآثار والتراث بالمغرب في المعهد أيضاً مسار إدارة المتاحف والمجموعات الأثرية الذي يُعدّ المتخصصين لتسيير عروض المتاحف المغربية ودعم مشاريع إنشاء متاحف إقليمية جديدة. فضلاً عن ذلك، يُفرد المعهد مساراً خاصاً للتراث الرقمي والتوثيق التكنولوجي بوصفه الأكثر استجابة لتحديات المرحلة الراهنة، إذ يُدرّب الطلاب على استخدام المسح بالليزر والنمذجة ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي في توثيق المواقع الأثرية وتيسير الوصول إليها.
علوم الآثار والتراث بالمغرب في الشراكات الدولية: حضور يتنامى
دأب المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط على نسج شبكة متينة من الشراكات الدولية التي تضع علوم الآثار والتراث بالمغرب في موقع التفاعل الإيجابي مع المجتمع الأثري والتراثي الدولي.
على الصعيد الأممي، يتعاون المعهد مع اليونسكو في برامج التدريب الإقليمي لحفظ التراث، وقد استضاف ورشات تكوينية جمعت متخصصين من أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا في إطار تعاون جنوب-جنوب وجنوب-شمال. وتربطه بمنظمة الإيكروم المعنية بحفظ الممتلكات الثقافية علاقة مؤسسية راسخة في برامج الترميم والتكوين المستمر.
وعلى الصعيد الأوروبي، تشمل شراكاته جامعات إيطالية وإسبانية وفرنسية ضالعة تاريخياً في دراسة الآثار المغربية، إذ لا يزال علماء الآثار الكلاسيكية في روما وبروكسيل يعدّون وليلي وليكسوس أوراشاً لفهم الحدود القصوى للإمبراطورية الرومانية. كما نسجت جامعات برلين وأكسفورد علاقات بحثية مع المعهد حول مخطوطات ما قبل الحداثة وتاريخ الأديان في شمال أفريقيا.
وقد منحت هذه الشراكات خريجي المعهد في حقل علوم الآثار والتراث بالمغرب ملفات مهنية مشتركة بين المؤسسات الوطنية والهيئات الدولية، مما يُعزز إسماع الصوت المغربي في نقاشات التراث العالمي. كما يصدر المعهد دوريات ودراسات متخصصة في المجال التراثي والأركيولوجي.
علوم الآثار والتراث بالمغرب: التحديات الكبرى في زمن التحولات
تحتل علوم الآثار والتراث بالمغرب اليوم حقلاً تتشابك فيه توترات متعددة لا يمكن تجاهلها في أي قراءة جادة.
يُشكّل التوسع العمراني التحدي الأكثر إلحاحاً وأثراً. فمع تنامي المدن المغربية وتضاعف متطلبات البنية التحتية، تتهدد المواقع الأثرية مخاطر التهدم أو الإتلاف أو التهميش. وعلى الرغم من قوانين حماية التراث المعمول بها، يظل التطبيق الميداني ثغرة بنيوية. وهنا يتحمل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط مسؤولية توفير خبرات أثرية مؤهلة لإجراء الدراسات التأثيرية قبل انطلاق المشاريع الكبرى.
أما التوتر الثاني فيتعلق بالسرديات المتنافسة حول التراث: فعلوم الآثار والتراث بالمغرب تعمل في ميدان تتعدد فيه الروايات المتنازع عليها، من النقاشات حول هوية المكوّن الأمازيغي في التاريخ المغربي وحضوره في المناهج الأثرية والتراثية، إلى مسألة استرداد القطع الأثرية المغربية المنهوبة في الحقبة الاستعمارية والمحفوظة في متاحف أوروبية وأمريكية، وهي إشكالية قانونية وأخلاقية وسياسية في آن واحد.
والتوتر الثالث هو توتر الزمنين: الأرشيف والمستقبل. فحين تُخصص الدولة موارد بشرية ومالية لحقل علوم الآثار والتراث بالمغرب، تصطدم دائماً بالسؤال: أين تُوجّه الأولوية، إلى ترميم ما هو مهدَّد بالاندثار، أم إلى رقمنة الموروث وجعله متاحاً للأجيال القادمة عبر منصات رقمية حديثة؟ والمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط يُحاول الإجابة عبر مناهج تجمع الاثنين معاً، لكن الموارد لا تتسع دائماً لهذا الطموح المزدوج.
يمكنك الاطلاع أيضا على عشر روايات مغربية للقراءة
علوم الآثار والتراث بالمغرب: نحو رؤية شاملة للتنمية والهوية
باتت علوم الآثار والتراث بالمغرب تتجاوز في أدوارها ووظائفها نطاق الدراسة الأكاديمية المتخصصة، لتلتقي مع السياسات العامة للتنمية والهوية. ففي إطار الرؤية الملكية الرامية إلى جعل المغرب مركزاً حضارياً وثقافياً إقليمياً، يُشكّل التراث رافداً اقتصادياً في السياحة الثقافية، ورافداً هوياتياً في تماسك النسيج الاجتماعي المغربي بتعدده الأمازيغي والعربي والأفريقي والأندلسي والصحراوي.
غير أن استثمار هذا الرافد يستلزم طيفاً واسعاً من الكفاءات التي يُفترض في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط تأهيلها: من المرشد السياحي المتخصص في التراث إلى مدير المتحف الإقليمي، ومن الباحث المتخصص في دراسة المجتمعات الرعوية ما قبل الصحراوية إلى الخبير القادر على التفاوض مع متاحف دولية حول استعادة القطع الأثرية المنهوبة.
والحقيقة التي لا جدال فيها هي أن علوم الآثار والتراث بالمغرب ليست ترفاً ثقافياً أو رفاهية أكاديمية تُضاف لتزيين المشهد المؤسسي. إنها، في صميمها، إجابة عن السؤال الوجودي الأعمق: من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وكيف نحمل ماضينا معنا إلى مستقبل لم يُكتب بعد؟ والمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، في مواظبته على تخريج دفعات جديدة من الباحثين والمتخصصين، يُجيب كل عام على هذا السؤال بشكل عملي وصادق: بالحفر في التراب وصون الحجارة وتوثيق الأصوات وإعادة بناء الذاكرة، حجراً حجراً وأثراً أثراً.