جولة تراثية في بني ملال وتادلة، تاريخ ومعالم
هذه جولة تراثية في بني ملال وتادلة، لمحبي المعالم التاريخية وعشاق السياحة الثقافية في جهة بني ملال خنيفرة، ففي صباح باكر من أحد أيام الربيع، وقبل أن تبدأ الشمس في إلقاء حرارتها على سهول تادلة الخصبة، توجهتُ إلى مدينة بني ملال عازماً على خوض رحلة استثنائية، في أعماق تاريخ منطقة ظلت لقرون طويلة محطة رئيسية في مسار الحضارة المغربية. لقد كنتُ أعرف قبل الانطلاق أن هذه المنطقة التي تمتد من سفوح الأطلس المتوسط إلى ضفاف نهر أم الربيع، كانت مسرحاً لأحداث كبرى، ومستقراً لسكان تنوعت أصولهم بين الأمازيغ والعرب واليهود، لكن ما وجدته على الأرض تجاوز كل تصور. هنا، تحت أقدام المارة، وفي زوايا الأحياء القديمة، وعلى ضفاف العيون الجارية، تروي الحجارة الصامتة حكايات تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى اليوم.
عرفت منطقة تادلا، بهضابها وسهولها الممتدة شرق سهل الشاوية، وحول المجرى الأعلى لنهر أم الربيع، ازدهاراً فلاحياً وحرفياً جعل منها قطبا اقتصاديا مهما عبر العصور. فقد وصفها الشريف الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق” بأنها بلد كثير الخيرات والأرزاق، وأكد مؤلف كتاب “الاستبصار” أنها تشتهر بزراعة القطن. وحتى صناعة الدباغة كانت مزدهرة هنا، إذ تروي الرواية الشفوية أن بني ملال كانت تضم حتى القرن التاسع عشر ثلاث دور للدباغة، قبل أن يتم بناء دار موحدة للدباغة في فترة الحماية الفرنسية.
لغز مدينة داي في جولة تراثية في منطقتي بني ملال وتادلة
بدأت جولتي من قلب مدينة بني ملال الحالية، حيث يخبرني الباحثون بأنني أقف على كنز مدفون. تحت هذه البنايات الحديثة، وفي ضواحيها ربما، تختفي مدينة “داي” القديمة، تلك الحاضرة التي كانت قائمة قبل تأسيس دولة الأدارسة، وكانت قاعدة المنطقة في عهدهم. وما زال وادٍ وعين يحملان نفس الاسم يشهدان على مجد غابر.
حدد الرحالة والمستكشفون موقع داي في المنطقة الواقعة بين وادي درنة ووادي داي، وهي منطقة عرفت في العصور الوسطى تجمعات سكنية مهمة استمرت إلى الوقت الراهن، من بينها تاكزيرت وفشتالة وفم العنصر وأدوز وبني ملال. وقد كانت هذه المدينة مزدهرة اقتصادياً بفضل زراعة القطن وتوفر المياه ووجود معدن النحاس، كما كانت موقعاً تجارياً مهماً على مفترق طرق متعددة،. كل هذا يجعل الإحاطة بمختلف أوجه الحضارة والعمران بهذه المدينة أمراً غير متاح بعد، في انتظار إجراء أبحاث ميدانية دقيقة أو حفريات أركيولوجية. وإلى أن يحين ذلك اليوم، تبقى داي لغزاً ينتظر من يفك طلاسمه.
الصومعة المرابطية وزاوية أبي القاسم الصومعي
بعد هذه الجولة في الذاكرة المدفونة، اتجهت نحو حي “الصومعة” في بني ملال، حيث تنتصب إحدى أندر الشواهد المعمارية على العصر المرابطي في المغرب. إنها صومعة سيدي أحمد بن قاسم، أو ما يعرف محلياً بـ”الصومعة المرابطية”. عندما وقفت أمامها، شعرت أنني في حضرة شيء عظيم. إنها مربعة الشكل، أبعادها 4.60 متر في 4.60 متر، وقد فقد الجزء العلوي منها على مر الزمن. تتكون الصومعة من جدار خارجي ونواة وسطى يتدرج حولها سلم من الأدراج، وتتخللها نوافذ وسقوف مزدوجة من الأخشاب والآجُر تغطي الممرات. إنها مبنية بالأحجار والتراب الأحمر الممزوج بفتات الصخور والجير، وهي تقنية معمارية تعكس عبقرية البناء في العصر المرابطي.
كانت هذه الصومعة على وشك الانهيار، وشكلت خطراً على المارة وسكان الحي، إلى أن تحرك أهل الخير والمهتمون بالتراث. هنا التقيت بالأستاذ أحمد، أحد أعضاء جمعية شرفاء الزاوية الصومعية، الذي حدثني عن مراحل ترميم هذا المعلم الفريد. قال لي محدثي: “لقد كانت الصومعة في حالة يرثى لها، وكنا نخشى عليها من السقوط في أي لحظة. تدخلت وزارة الثقافة آنذاك وقمنا بعملية ترميم دقيقة سنة 2003، حافظنا فيها على الطابع الأصلي للصومعة مع إعادة بناء الأجزاء المتهالكة. والأهم من ذلك، أننا أشرفنا على بناء مسجد حديث إلى جانب المسجد القديم، ليستوعب العدد المتزايد من المصلين وزوار الزاوية، مع الحفاظ على المعلم التاريخي كما هو شاهداً على أصالة هذا المكان.” وأضاف الأستاذ العرش أن الزاوية لا تزال قبلة للزوار من داخل المغرب وخارجه، وهي تؤدي دورها الديني والروحي كما كانت تفعل منذ قرون.
يمكنك الاطلاع أيضا على المعهد الوطني لعلوم الاثار والتراث بالمغرب .
زاوية سيدي أحمد بن قاسم الصومعي
وإلى جانب الصومعة، توجد زاوية سيدي أحمد بن قاسم التي شكلت على مر القرون مركز إشعاع ديني وعلمي. هنا أسس الشيخ الصوفي العلامة أبو عثمان سعيد ابن أحمد ابن موسى، الملقب أمسناو (أي العالم بالأمازيغية)، زاوية كانت في عصره محجة للعلم والدين والصلاح. كان أبو عثمان أحد تلامذة الشيخ عبد العزيز التباع، أشهر مريدي الشيخ محمد بن سليمان الجازولي، وتتلمذ على يديه العلامة الكبير الشيخ أحمد بن أبي القاسم بن محمد بن سالم بن عبد العزيز الشعبي الهروي التادلي، الذي عرفت معه الزاوية أوج ازدهارها. ولد أحمد التادلي الصومعي في بلدة الصومعة، ونشأ في أسرة متدينة وفي وسط متصوف. تعلم في طفولته القراءة والقرآن في زاوية الصومعة على يدي الشيخ أبي عثمان سعيد، ثم قصد فاس لاستكمال علوم الدين واللغة، فحصل على ثقافة متنوعة وعالية. عاد بعد مسيرته العلمية إلى بلدته حيث اشتغل بالتدريس ونشر العلم والتأليف وتلقين مبادئ التصوف للمريدين، من بين أهم مؤلفاته كتاب “المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى”. وبعد وفاته سنة 1013هـ الموافق لـ1604م، دفن في زاويته التي تم تجديدها وأصبحت اليوم محجاً ومزاراً مهماً للعديد من سكان المناطق المجاورة.

القصبة الإسماعيلية تادلة… صرح يعكس عبقرية العمارة العلوية
في جولة تراثية في بني ملال وتادلة، وبعد أن اكتفيت من تأمل الصومعة وجوها الروحاني، اتجهت نحو قصبة تادلة الإسماعيلية، تلك التحفة المعمارية التي شيدها السلطان العلوي الكبير المولى إسماعيل على الضفة اليمنى لنهر أم الربيع. عندما تصل إلى هناك، لا يسعك إلا أن ترفع رأسك عالياً وأنت تتأمل أسوارها العالية وأبراجها المهيبة. لقد أمر المولى إسماعيل ببناء هذه القصبة لتكون حلقة من سلسلة القصبات التي أقيمت لمراقبة الطريق التجارية التي تمر عبر تادلا.
تصميم القصبة غير منتظم، ويتخلله عشرون برجاً مربعة الشكل وثلاثة أبواب رئيسية. وفي داخلها مفاجآت كثيرة. هناك مسجد المولى إسماعيل، وتوجد صومعته خارج المسجد. وكان يحيط بهذا المسجد سور لم يتبق منه حالياً إلا بعض الأجزاء، وهي مبنية بالطابية الغنية بالجير.
ولعل أروع ما في القصبة هو قصر الأمير أحمد بن المولى إسماعيل. لقد تم ترميم مدخله الرئيسي سنة 1932، ويتشكل من أعمدة وتيجان ومزين بزخارف نباتية وهندسية تأخذ لباب المشاهد. يتكون هذا القصر من سبع غرف، الرئيسية منها توجد في الجهة الشرقية، وتنفتح على ساحة القصر التي تحيط بها أروقة مقوسة من الجوانب الأربعة. إلى جانب القصر، توجد المخازن التي تتكون من عدة مستودعات، وإسطبل يوجد بمحاذاة القصر يتكون من مجموعة من الغرف المقببة، وهو عبارة عن رواق مدعم بخمسة أقواس.
القنطرة الإسماعيلية
واحدة من أروع ما اشتملت عليه القصبة الإسماعيلية، بل واحدة من أروع ما يمكن أن يراه الزائر في منطقة تادلة بأسرها، هي القنطرة التاريخية التي أمر ببنائها المولى إسماعيل لتضمن سلامة المرور عبر وادي أم الربيع، ذلك النهر العظيم الذي شهد على مر القرون حضارات وقوافل وجيوشاً لا تعد ولا تحصى. هذه القنطرة تحفة هندسية تدمج بين الوظيفة العسكرية والجمال المعماري. كانت القنطرة تخضع لمراقبة وحراسة مستمرة انطلاقاً من أبراج القصبة التي تشرف عليها من عل، إذ كانت تشكل مدخلاً استراتيجياً للمنطقة وممراً إجبارياً للعابرين.
عندما تقف على هذه القنطرة وتنظر إلى المياه الجارية أسفل منك، تستطيع أن تتخيل القوافل التجارية المحملة بالبضائع والأقمشة والتوابل… لقد صُنفت هذه القنطرة، مثلها مثل القصبة نفسها، ضمن عداد الآثار الوطنية طبقاً للظهير الشريف، حفاظاً على قيمتها التاريخية والأثرية والمعمارية. لكن هذه القنطرة الصامدة رغم مرور قرون على بنائها، لم تسلم من التعديات والتغييرات التي طالت محيطها على مر العصور. لقد كانت القنطرة الإسماعيلية وما زالت أحد المعالم التي تبعث في نفس الزائر مشاعر الإجلال والاحترام لمن قدر له أن يشيد مثل هذا الصرح، وذلك فضلاً عن كونها شاهداً حياً على عبقرية الهندسة المغربية في العصر العلوي.
القصبة الزيدانية… جوهرة سعدية على ضفاف أم الربيع
لم تقتصر روائع المنطقة المعمارية في هذه جولة تراثية في منطقتي بني ملال وتادلة على العصر العلوي والمرابطي فقط، بل تمتد إلى العصر السعدي أيضا. فعلى الضفة اليسرى لنهر أم الربيع، وبالضبط في تراب جماعة أولاد عبد الله بين مدينتي بني ملال وقصبة تادلة، تنتصب بقايا قصبة الزيدانية التي تعد أجمل ما خلفه السعديون بمنطقة تادلة وأروع معالمهم على الإطلاق في المنطقة. نسبت هذه القصبة إلى مؤسسها الأمير زيدان بن أحمد المنصور الذهبي، الذي عينه والده والياً على تادلا ونواحيها، قبل أن تتسع رقعة حكمه وتنشب الخلافات بين إخوته بعد وفاة المنصور، مما أدى إلى اقتسام البلاد إلى إمارتين كانت تادلا ضمن إمارة زيدان الممتدة من تادلا إلى تازة.
عندما تطأ قدماك أرض القصبة الزيدانية، تشعر بعظمة ما كان عليه البناء السعدي وفنيته. لا تزال آثار هذه القصبة التاريخية تشهد اليوم على روعة التصميم وإتقان الصنعة، وإن كانت الرياح والأمطار والسنون قد تمكنت من أجزاء كبيرة منها. أنت هنا تتخيل نفسك أمام أسوار عالية ، تروي بطولتها وهندستها. وبقايا حمامات وأقواس ما زالت تحتفظ برونقها وجمالها، وبعض القطع من الفسيفساء والفخار والزليج التي كانت تزين أرضيات وجدران القصر والأروقة. تتخلل القصبة ممرات داخلية مقوسة تعكس ذوقاً فنياً رفيعاً، ومداخل مزينة بالزخارف التي تذكرنا بعظمة العمارة السعدية التي عرفت بها مدائن مثل مراكش.
لقد كانت القصبة الزيدانية مقر إمارة الأمير زيدان لبضع سنوات، بعد أن كانت الصومعة ببني ملال هي المقر الأول لحكمه قبل أن ينتقل إلى هذا المقر الجديد رغم أن الصومعة احتفظت بأهميتها الدينية والعلمية. وكانت علاقة أشياخ الزاوية الصومعية وطيدة مع الأمراء السعديين في القصبة الزيدانية، وهو ما يعكس التكامل بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية في ذلك العصر. هذه القصبة اليوم هي قيد الترتيب في عداد الآثار الوطنية نظراً لقيمتها التاريخية والأثرية والعمرانية الفائقة.

فشتالة… حاضرة تادلا التي أضاعها النسيان
من قصبة تادلة، واصلت رحلتي نحو الشمال لمسافة 12 كيلومتراً، حيث تقع بين قرية فم العنصر وفرياطة مدينة فشتالة التاريخية، أو “تفزة” كما يسميها بعض المؤرخين. لقد كانت فشتالة، في القرن السادس عشر، أهم مركز سياسي وحضاري في منطقة تادلا. يشهد على ذلك ما كتبه الرحالة الكبير الحسن الوزان عندما زار المنطقة سنة 915هـ الموافقة لـ1510م، إذ وصفها بأنها كانت تحكم على شكل “جمهورية”، وهو ما يدل على درجة من الاستقلال ناتج عن الازدهار الاقتصادي.
وقفت على أطلال فشتالة، وحاولت أن أتخيل كيف كانت هذه المدينة في أوج ازدهارها. وسط هذه الأطلال، كان لي لقاء مع أحد سكان الدواوير المجاورة الذي حدثني قائلا: “تشكل فشتالة بالنسبة لي أكثر من مجرد موقع أثري؛ إنها ذاكرة تادلا النابضة. كانت هذه المدينة مهداً للحضارات المتعاقبة، بدءاً من الزناتيين فالمرابطين فالموحدين فالمرينيين والسعديين، وكانت مركزاً علمياً وثقافياً بامتياز. لكن ما يؤسف له حقاً أن هذا الإرث الحضاري الضخم مهمل بشكل كبير، ولا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه من الجهات المعنية، رغم أنه يمكن أن يكون قبلة سياحية وثقافية لو أحسنا استغلاله.”
وأضاف : “ما زلنا نعثر بين الحقول المحيطة بفشتالة على لقى أثرية ثمينة، كالقطع الخزفية والنقدية، وبقايا الشبكة المائية التي كانت تروي البساتين وتدير الرحى. كل هذه العناصر تؤكد أن فشتالة كانت مدينة متطورة جداً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، نحتاج إلى مشروع علمي متكامل، وحفريات أثرية منظمة، وترميم علمي للمتبقي من معالمها، وإلا فسنخسر إلى الأبد جزءاً لا يعوض من تاريخ المغرب الوسيط.”
حاولت أن أتخيل، وأنا أستمع إليه، كيف كانت فشتالة في أيام عزها. يصفها الحسن الوزان بأن سكانها كانوا كثيرين أثرياء، وفيها نحو مائتي دار لليهود، كلهم تجار أو صناع. كان يقصد تفزة عدد وافر من التجار الغرباء ليشتروا منها بعض المعاطف السود، وكان يباع بها على الخصوص أدوات مصنوعة بفاس كالأقمشة والسكاكين والسيوف والسروج وغيرها من السلع. وكان لتفزة سور مبني بنوع من الحجر الكلسي، ومن هناك جاءت تسمية المدينة. وكان فيها عدد وافر من المساجد والأئمة والقضاة.
لا تزال أجزاء مهمة من مآثر فشتالة صامدة لحد الآن في وجه العوامل الطبيعية والبشرية، وهي مبنية بتقنية “التراب المدكوك” أو “التابوت”. ومن هذه المآثر التي تنسبها الرواية الشفوية إلى السلطان أبي الحسن المريني، نجد مسجداً يسميه العامة بمسجد المولى سليمان. يتوسط هذا المسجد القرية، وهو خير شاهد على مراحل تطور فنون العمارة والبناء. يمكن اعتباره الأثر الوحيد المتبقي بشكله الأصلي تقريباً. وفي مشهد يثير الحزن والأسى، استطاع القوس الوحيد المتبقي من أطلال المسجد الأعظم أن يبقى صامداً وشامخاً، في تحد صارخ لجور المكان والإنسان. وإلى جانب المسجد، لا تزال أسوار عالية بالإضافة إلى العديد من اللقى الأثرية التي يتم العثور عليها من حين لآخر.
كانت فشتالة أيضاً مركزاً للعلم والتصوف منذ القرن السادس الهجري. لقد زار فشتالة كبار الرحالة والمستكشفين: شارل دوفوكو، والحسن الوزان (ليون الإفريقي)، وغيرهم الكثير. لكن اليوم، ورغم النكران والانسلاخ، تبقى فشتالة في أمس الحاجة إلى سواعد أبنائها من أجل رد الاعتبار لموروثها الثقافي والتاريخي وانتشالها من براثن الإقصاء والتهميش.
قصبة عين أسردون… برج يحرس الذاكرة في قلب الطبيعة
أواصل هذه الجولة التراثية في منطقتي بني ملال وتادلة ، في منطقة “الدير” الخصبة، حيث تتدفق العيون وتتناثر البساتين على سفوح الأطلس المتوسط، تقف قصبة عين أسردون شامخة كواحدة من أبرز القصور المحصنة في المنطقة. لقد بنيت هذه القصور (إغرمان) قبل دخول المستعمر الفرنسي، وكانت ذات طابع حمائي وموقع استراتيجي.
ما يميز قصبة عين أسردون هو موقعها الفريد. فهي تقوم على مقربة من عين أسردون التي تتدفق بمياهها العذبة على مدار العام لتشكل مع البرج لوحة بديعة تجمع بين روعة التاريخ وجمال الطبيعة. البرج أو القصر يتوفر على أربعة أبراج، وقد أعيد بناؤه في فترة الاستعمار بما يسمى “بالكلفة”، ثم خُرّب جزء منه ورُمّم سنة 1977. ما زالت معالمه واضحة رغم التعديلات التي طرأت عليه، وهو يمثل نموذجاً مهماً للعمارة الدفاعية في المنطقة.

في ختام جولة تراثية في بني ملال وتادلة.. ذاكرة مهددة بالاندثار
بينما كنت أتجول في أحياء بني ملال القديمة، أردت أن أتعرف على الأسوار التاريخية التي كانت تحصن المدينة. تفاجأت عندما علمت أنه لم يتبق من هذه الأسوار إلا القليل. كانت بني ملال، حتى أوائل القرن العشرين، مدينة محصنة ذات أسوار عالية وأبواب شهيرة: باب امغيلة، باب أولاد سعيد، باب تادلا، باب أولاد حمدان، باب آيت اليزيد، وباب مراكش.. لم يبقَ اليوم من كل ذلك إلا جزء صغير من سور القصبة. وإذا كانت بعض النصوص التاريخية تنسب هدمها إلى المستعمر الفرنسي، فإن ذلك يبدو غريباً، فجُل المدن التاريخية المغربية احتفظت بأسوارها رغم تعرضها للاحتلال الأجنبي.
قبل أن أغادر المنطقة، عدتُ أتأمل ما رأيته وسمعته. جلت في ربوع تادلة، وقفت على أسوار القصبة الإسماعيلية وتأملت قنطرتها العتيقة، وتجولت بين أطلال القصبة الزيدانية التي كانت شاهدة على مجد سعدي أفل نجمه، وزرت الصومعة المرابطية التي تتحدى الزمن، وحطيت رحالي في فشتالة التي تبكي على أيام عزها، ولمست حجارة عين أسردون التي تروي قصص البطولة والمقاومة.
إن المنطقة بأسرها تحتاج إلى نظرة جديدة، إلى مشاريع ترميم طموحة تعيد للقصبة الزيدانية بهاءها، وللقنطرة الإسماعيلية مكانتها، ولأسوار بني ملال بعضاً من هيبتها، وإلى حفريات أثرية تكشف النقاب عن مدينة داي المخبأة تحت التراب. فشتالة تنادي من تحت الأنقاض، والقصور المحصنة تتصدع يوماً بعد يوم. لكنها، في انتظار كل ذلك، تبقى مفتوحة أمام كل من يريد أن يلمس التاريخ بأصابعه، وأن يتنفس عبق الماضي الذي ما زال عالقاً في حجارة هذه المنطقة العريقة. فهل نتحرك قبل فوات الأوان؟
