بيت الشعر في المغرب: هكذا يحتفى بالقصيدة كتعبير إنساني!
في 8 أبريل 1996، في مدينة الدار البيضاء، وقّع أربعة من أبرز شعراء المغرب الحديث – محمد بنطلحة، محمد بنيس، صلاح بوسريف، وحسن نجمي – على البيان التأسيسي لـ«بيت الشعر في المغرب»، معلنين ميلاد مؤسسة ثقافية غير ربحية تركز اهتمامها على الشعر كضرورة إنسانية وعربية ومغربية. جاءت الفكرة كرد فعل على «الوضعية الراهنة للشعر المغربي الحديث» التي وصفها المؤسسون بأنها «فضلا عن مداها الصعب، لم تعثر دائما على ما يهيئ لها فرصة خلق شرائط جديدة، يتفاعل فيها الشعراء، والشعراء مع جمهور الشعر في المغرب، والشعراء مع النقاد». بدلا من المنافي المتسعة والشعر «المتهم بين مطرقتين: الذات وسواها»، قرر هؤلاء الشعراء إنشاء «بيت» يجمع حول القصيدة، يحيي أمسيات شعرية، يقرأ الدواوين، يشتغل على المسألة الشعرية، ويفتح أبوابه للتواصل مع الشعراء العرب والعالميين. لم يكن «بيت الشعر» احتكارا للشعر، بل «الصيغة التي نرتضيها، فيما نترك لغيرنا حرية الالتحاق بنا أو اختيار ما يبدو له أكثر ملاءمة». بعد ثلاثة عقود، أصبح هذا البيت فضاء حيا ينبض بالقصيدة في الرباط والدار البيضاء، يدافع عن كرامة الشعراء، ويحتفل بالشعر كفعل إبداعي يعيد خلق الوجود الفردي والجماعي.
بيت الشعر في المغرب: تأسيس يستلهم مغامرة الشعر المغربي الحديث
جاء البيان التأسيسي، الذي نُشر في الدار البيضاء عام 1996، تعبيرا عن إيمان عميق بـ«الشعر المغربي الحديث» الذي شهد «إبدالا نوعيا في الرؤية إلى الشعر وفي إنجازاته النصية كما في حضوره هنا وهناك». وصف المؤسسون الشعر بأنه «همها الأساسي، لأنه إعادة خلق للوجود الفردي والجماعي. لغة مفتونة بالمستحيل وذوات لا تكف عن السكن على حدود خطر القصيدة والعالم معا». استلهموا أصوات الشعراء الراحلين «المخنوقة بالغربة والنسيان» التي «نحسها حاضرة بيننا، بحريتها أيضا، وهي تضاعف النداء». لم يكن الهدف إنشاء نادٍ نخبوي، بل «بيت» مفتوح يحيي أمسيات الشعراء المغاربة، يقرأ الدواوين والتجارب، ينظم حفريات في تاريخ الشعر المغربي، ويشتغل على محترفات القراءة والترجمة والنشر، مع تواصل مستمر مع شعراء المغرب العربي والعالم العربي وخارجه. اليوم، يترأس الهيئة التنفيذية الشاعر مراد القادري، بعد أن تولى الرئاسة سابقا محمد بنيس، عبد الرحمان طنكول، حسن نجمي، ونجيب خداري. يعمل البيت كجمعية ثقافية مدنية مستقلة، مقره الرسمي مرتبط بمندوبية وزارة الثقافة، وموقعه الإلكتروني (albayt.ma) يوثق نشاطاته المستمرة.
بيت الشعر في المغرب: أنشطة متنوعة تحول القصيدة إلى حوار حي
منذ تأسيسه، بنى بيت الشعر برنامجا غنيا يجمع بين التراث والحداثة. ينظم بانتظام «السبت الشعري» الذي يجمع الشعراء والجمهور في قراءات حميمة، و«أمسية الشاعر المغربي» التي تحتفي بتجارب محلية، و«أمسية الناقد المغربي» التي تفتح نقاشا نقديا عميقا. كما يستضيف «ضيوف البيت» من شعراء العالم، وينظم ندوات حول المسألة الشعرية والترجمة. من أبرز مهرجاناته «مهرجان الشعر الإفريقي» الذي يحتفي بأفريقيا الشاعرة، و«مهرجان الشعر العربي الإفريقي» الذي ينظمه بالشراكة مع الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) وعمالة إقليم زاكورة، حيث يلتقي شعراء من مختلف أنحاء القارة في أجواء تحتفي بالتنوع الثقافي. في السنوات الأخيرة، نظم البيت مهرجانات في الرباط احتفاء بعاصمة الثقافة الإفريقية، مع إصدار أعداد خاصة من مجلته «البيت» تقدم صورة وافية عن الشعر الإفريقي. هذه الأنشطة ليست مجرد عروض فنية، بل هي «حوار حي» يجمع الشعراء بالجمهور، يدافع عن حرية الشعر، ويحمي حقوق الشعراء كما نص عليه البيان التأسيسي.
جائزة الأركانة العالمية.. تكريم للصداقة الشعرية
أبرز إنجازات بيت الشعر هو إطلاق «جائزة الأركانة العالمية للشعر» عام 2002، مستوحاة من شجرة الأركان الفريدة التي تنبت فقط في جنوب المغرب بين الأطلس الكبير وحوض ماسة. وصفها المؤسسون بأنها «شجرة تشبه من بعيد شجرة الزيتون، لكننا عندما نقترب منها تظهر كونا غامضا مستقلا بذاته». هي «جائزة الصداقة الشعرية» التي يقدمها المغاربة لشاعر يتميز بتجربة في الحقل الشعري الإنساني ويدافع عن قيم الاختلاف والحرية والسلم. انطلقت بدعم من مؤسسة الرعاية لبنك الوفاء في الدورتين الأولى (2002) والثانية (2005)، ثم أصبحت مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير (CDG) الراعي الرسمي من الدورة الثالثة عام 2008. فاز بها كبار الشعراء العالميين: الصيني بي داو (الدورة الأولى)، الفرنسي إيف بونفوا، الأمريكيان تشارلز سيميك ومارلين هاكر، الفلسطيني محمود درويش (تسلمها أخوه أحمد تكريما)، المغربيان محمد الأشعري (2020) والطاهر بن جلون (الدورة الخامسة)، الإيطالي جوزيبي كونتي (2022)، اللبناني وديع سعادة، الألماني فولكر براون، والشاعر التوaregي HAWAD (2017). في 2024 فاز بها الشاعر البحريني قاسم حداد، الذي سلمت له الجائزة في حفل بالمكتبة الوطنية بالرباط. وصف رئيس البيت مراد القادري الفائزين بأنهم «اقتسموا معه قيم الوفاء للكتابة والاستجابة لنداءاتها». الجائزة ليست مجرد تكريم مالي، بل اعتراف مغربي بالشعر كلغة متفردة تحافظ على الإنسانية.
يمكنك الاطلاع أيضا على عشر روايات مغربية للقراءة
جائزة الأركانة العالمية للشعر: منصة تجمع أصوات العالم منذ 2002
لم يمضِ سوى سنوات قليلة عن تأسيس بيت الشعر المغربي حتى تحولت هذه الفكرة إلى واقع ملموس بإطلاق جائزة الأركانة العالمية للشعر عام 2002، التي استلهمت اسمها من شجرة الأركان الفريدة، تلك الشجرة التي «لا تنبت إلا في المغرب، وتحديدا في منطقة محصورة من جنوب المغرب، بين الأطلس الكبير وحوض ماسة». شجرة تشبه من بعيد الزيتون، لكنها عند الاقتراب تكشف عن «كون غامض مستقل بذاته»، كما وصفها البيان التأسيسي. بهذا الرمز الطبيعي الأصيل، أراد «بيت الشعر» أن يقدم تقديرا مغربيا خالصا لشعراء يحافظون على لغة متفردة، ويجسدون قيم الاختلاف والحرية والسلم والتسامح في الحقل الشعري الإنساني. ليست الجائزة مجرد تكريم مالي، بل «جائزة الصداقة الشعرية» التي يقدمها المغاربة لشاعر يقتسم معهم «حب الشعر وسهره عليه».
تتكون لجنة التحكيم من 9 أعضاء كحد أقصى، تعين سنويا لدورة واحدة فقط، وتضم شخصيات شعرية وثقافية معروفة بالكفاءة والنزاهة. تصدر اللجنة تقريرا مفصلا يبرر اختيار الفائز، ويُنشر عادة على موقع «بيت الشعر» (albayt.ma). هذه الاستقلالية جعلت الجائزة واحدة من أبرز الجوائز الشعرية في العالم العربي، تتميز بتوازنها بين الأصوات العربية والعالمية، وتركيزها على «المنجز الشعري الأكثر إضاءة في المشهد العربي والعالمي».
قائمة الفائزين: أسماء عالمية تجسد تنوع الشعر الإنساني
شهدت جائزة الأركانة أكثر من 17 دورة حتى 2024، وتوّجت شعراء من قارات مختلفة، مما يعكس طابعها العالمي الحقيقي. إليك أبرز الفائزين حسب الدورات المتوفرة:
- 2002 (الدورة الأولى): الشاعر الصيني بي داو (Bei Dao).
- 2004: الشاعر والناقد المغربي محمد السرغيني.
- دورات أخرى مبكرة: الفرنسي إيف بونفوا (Yves Bonnefoy)، الأمريكيان تشارلز سيميك (Charles Simic) ومارلين هاكر (Marilyn Hacker)، والفلسطيني محمود درويش (تسلمها أخوه أحمد تكريما).
- 2014: البرتغالي نونو جوديس (Nuno Júdice).
- 2015: الألماني فولكر براون (Volker Braun).
- 2016: المغربي محمد بنطلحة.
- 2017: الشاعر التوaregي محمدين خواد (Mohamadine Khawad، النيجر).
- 2019/2020 تقريبا: اللبناني وديع سعادة (Wadih Saadeh).
- 2020 (الدورة 15): المغربي محمد الأشعري (وزير الثقافة الأسبق)، الذي وصفته اللجنة بأنه «أسهم في ترسيخ الكتابة كمقاومة تتوسع في أحياز الحرية في اللغة والحياة».
- 2022/2023: الإيطالي جوزيبي كونتي (Giuseppe Conte).
- 2024 (الدورة 17): الشاعر البحريني قاسم حداد، الذي تسلم الجائزة في 14 ديسمبر 2024 بالمكتبة الوطنية بالرباط. وصفته لجنة التحكيم بـ«علامة مضيئة في سجل الشعر العربي والإنساني»، مشيرة إلى أكثر من 40 ديوانا وكتابا، وحضوره الوازن في الحياة الثقافية منذ السبعينيات.
كما شملت الجائزة أسماء مثل العراقي سعدي يوسف، والإسباني أنطونيو غامونيدا، والمغربي الطاهر بن جلون (الدورة الخامسة). هذه القائمة تجسد تنوعا جغرافيا وثقافيا، من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا، مع حضور لافت للشعراء المغاربة والعرب.
حفل التسليم والتأثير الثقافي
يُقام الحفل دائما في أجواء احتفالية تجمع الشعراء والنقاد والجمهور. في دورة 2024، على سبيل المثال، أشاد رئيس «بيت الشعر» مراد القادري بقاسم حداد قائلا إن اسمه «انضم إلى سجلات هذه الجائزة إلى جانب عدد من شعراء العالم ممن اقتسموا معه قيم الوفاء للكتابة». غالبا ما يصدر «بيت الشعر» عددا خاصا من مجلته «البيت» عن الفائز، يحتوي على دراسات نقدية وشهادات.
تجاوزت جائزة الأركانة كونها حدثا سنويا لتصبح رمزا للإشعاع الثقافي المغربي. ساهمت في تعزيز التواصل بين الشعر المغربي والعالمي، ودعمت «حفريات الشعر المغربي» كما نص عليه البيان التأسيسي. في زمن يواجه فيه الشعر تحديات الرقمنة والاندثار، تظل الجائزة دفاعا عن «حرية الشعر والشعراء»، وتذكيرا بأن الشعر «لغة مفتونة بالمستحيل». حتى عام 2026، حصل «بيت الشعر» نفسه على جائزة الأكاديمية الدولية للشعر في فيرونا، تقديرا لدوره الدولي.
جائزة الأركانة ليست مجرد درع وشيك؛ إنها شجرة أركان حية تزرع في تربة الشعر العالمي، تثمر صداقة وإبداعا، وتؤكد أن المغرب – بتراثه الطبيعي والثقافي – قادر على أن يكون منارة للقصيدة الإنسانية. مع كل دورة جديدة، يستمر «بيت الشعر» في دعوته الأولى: «كلنا أحياء بالشعر وفي الشعر».
يمكنك الاطلاع أيضا على المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش
بيت الشعر في المغرب: إصدارات ومجلة «البيت».. توثيق الذاكرة الشعرية
إلى جانب الأنشطة الحية، يصدر بيت الشعر مجلة فصلية بعنوان «البيت»، التي بلغت أكثر من 32 عددا تحت إشراف الشاعر حسن نجمي (مدير) والناقد خالد بلقاسم (رئيس تحرير). تقدم المجلة دراسات نقدية، ترجمات، وأعدادا خاصة عن الشعر الإفريقي والعربي. كما ينشر دواوين شعرية وكتبا نقدية، وفي يناير 2026 قدم منشوراته الجديدة برسم سنة 2025 في الرباط، احتفاء بالسنة الأمازيغية والميلادية الجديدة، مع تنوع إبداعي بين الشعر والنقد والترجمة. هذه الإصدارات تعزز «حفريات الشعر المغربي» وتساهم في نشر التجارب الشعرية المغربية والعالمية.
بيت الشعر في المغرب: إشعاع دولي واستمرارية في زمن العولمة
بعد ثلاثين عاما، يواصل بيت الشعر دوره كجسر ثقافي. في مارس 2026، تسلم في فيرونا (إيطاليا) جائزة الأكاديمية الدولية للشعر بمناسبة اليوم العالمي للشعر، تقديرا لجهوده في الحفاظ على الشعر كتراث إنساني. ينظم فعاليات مستمرة مثل أمسيات احتفائية بالشعراء المغاربة (مثل عبد الله زريقة)، وملتقيات متخصصة مثل ملتقى شعراء الهايكو تحت شعار «الهايكو مغربي أيضا». يتعاون مع وزارة الثقافة والمجالس المحلية، ويبقى ملتزما بـ«الدفاع عن حرية الشعر والشعراء» كما جاء في بيانه التأسيسي. في زمن يواجه فيه الشعر تحديات الرقمنة والاندثار، يظل «بيت الشعر» صوتا حيا يجمع الأصوات المتفردة، يحتفل بالقصيدة كـ«لغة مفتونة بالمستحيل»، ويبني جسورا بين المغرب والعالم. كما قال المؤسسون: «كلنا أحياء بالشعر وفي الشعر». ويبقى هذا البيت شاهدا على أن الشعر، في المغرب وخارجه، ليس ترفا بل ضرورة وجودية.