فن وموسيقى الملحون بالمغرب: حين تتكلم الروح بلسان الشعر العامي
في ليلة تراثية لفن وموسيقى الملحون بالمغرب، قبل أن تنقضّ النجوم على سماء سلا العتيقة، كانت الأرواح قد سبقتها إلى حضرة الملحون. في أحد أزقة المدينة الراشدة التي طالما حرست أسرار الشعر والغناء، توافد المحبون والعارفون إلى فضاء ثقافي تضوّع بعبق البخور وأضاءته قناديل خافتة تلقي بظلالها الذهبية على جدران مزدانة بزخارف هندسية أندلسية الطابع. لم يكن المجلس مجرد أمسية فنية، بل كان طقساً من طقوس الهوية، وميثاقاً متجدداً بين الإنسان المغربي وأعمق ما في وجدانه من حنين وعشق وفلسفة.
على المنصة الخشبية الصغيرة، جلس شيخ القصبة ورفاقه كلٌّ يحمل آلته كما يحمل المؤمن تعويذته: العود الحسّاني، والبندير الذي يقرع كقلب عاشق، والكمنجة التي تبكي بلا دموع. وحين أطلق الشيخ المطلع الأول من قصيدة غزال البان، سرت في القاعة رعشة لم تكن للبرد، بل كانت لذلك الإحساس الغريب بأن الزمن قد توقف، وأن الماضي والحاضر قد التقيا في نقطة واحدة: صوت إنسان يغني ما لا يستطيع أن يقوله نثراً.
فن وموسيقى الملحون بالمغرب: جذور ضاربة في التاريخ
لا يمكن لمن يريد أن يفهم فن وموسيقى الملحون بالمغرب أن يتجاوز تاريخه العميق المتشابك مع تاريخ المدن العتيقة والحضارة الأندلسية. فالملحون فن شعري غنائي مغربي أصيل نشأ في حضن المجتمعات الحضرية منذ القرن الرابع عشر الميلادي تقريباً، وتطور عبر القرون حتى بلغ ذروة ازدهاره في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ويرى كثير من الباحثين أن جذوره تمتد إلى الشعر الأندلسي الذي حمله المهاجرون الأندلسيون في حقائب ذاكرتهم حين أُجبروا على مغادرة جنة الغرب، فمزجوه بالروح المغربية الأمازيغية والعربية حتى أفرز هذا الفن العجيب.
يتميز الملحون بأنه يُنظم في اللهجة العامية المغربية، لكنه تنظيم يبلغ من الرهافة والتعقيد مبلغاً يجعله أقرب إلى الشعر الرفيع منه إلى الكلام الدارج. فهو يوظف صوراً بلاغية بديعة ومعجماً ثرياً يمزج بين العربية والأمازيغية والأندلسية، ويتناول موضوعات متنوعة تشمل الغزل والمديح النبوي والحكمة والوصف والشوق إلى الأوطان. وتُؤدَّى القصائد وفق نظام موسيقي محكم يعتمد على الميازين أي الإيقاعات، ويتقسم العرض إلى أقسام متتالية تبدأ بالمطلع الذي يُلقيه شيخ الفرقة منفرداً ثم تنتظم بقية المقاطع بمشاركة جماعية من الرفاق.
فن وموسيقى الملحون بالمغرب: جذور تاريخية تمتد لأكثر من ثمانية قرون في تافيلالت وسجلماسة
يعود فن وموسيقى الملحون بالمغرب إلى أصول عميقة تمتد إلى القرن الثالث عشر الميلادي في عهد الموحدين، حيث نشأ في واحات تافيلالت وسجلماسة جنوب شرق المغرب كشكل شعري زجلي مغنّى بالدارجة المغربية، وأحياناً بالعبرية. كان يُمارس أولاً في الزوايا الدينية كوسيلة للتعبير الروحي والاجتماعي، ثم انتشر تدريجياً إلى المدن التاريخية الكبرى مثل فاس ومكناس وسلا والرباط والدار البيضاء وآسفي ومراكش وتارودانت وأزمور، خاصة بين الحرفيين والصناع التقليديين الذين كانوا ينظمون القصائد أثناء عملهم في الورش. يُعتبر الملحون «ديوان المغاربة» كما وصفه العلامة محمد الفاسي، لأنه يوثق الذاكرة الجماعية الشعبية، يعبر عن الهموم اليومية والأفراح والمعتقدات الدينية والأخلاقية والوطنية. تطورت أشكاله عبر العصور: من القصيدة الملحونة (القصيدة الشعبية) إلى السرابة (الرد الجماعي) والموال والمصباح والملعبة. في القرن السادس عشر، مع انتشار الحرف في المدن، أصبح الملحون فنّاً حرفياً يُؤدّى في الأعراس والأسواق وحلقات الذكر والمواسم. شهد عصره الذهبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث ازدهر بين الشعراء الحرفيين الذين أبدعوا نصوصاً بليغة تجمع بين الشعر الفصيح والدارجة. وفقاً للوثائق التاريخية، يعود أقدم نموذج معروف إلى «ملعبة الكفيف الزرهوني» في عصر المرينيين بالقرن الرابع عشر. انتشر الملحون أيضاً في الجزائر والمغرب العربي، لكنه بقي أصيلاً مغربياً في جوهره. اليوم، بعد إدراجه في ديسمبر 2023 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية من قبل اليونسكو (كان المغرب يمتلك 13 عنصراً بعده)، أصبح فن وموسيقى الملحون بالمغرب رمزاً عالمياً للهوية المغربية.
يمكنك الاطلاع أيضا على المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان
فن وموسيقى الملحون بالمغرب: رواد غيّروا التاريخ
حفل تاريخ فن وموسيقى الملحون بالمغرب بأعلام كبار تركوا بصمات لا تُمحى في ذاكرة هذا الفن. ويُعدّ سيدي قدور العلمي الفاسي من أبرز من أرسوا قواعد الملحون وطوّروا أساليبه في القرن السابع عشر، فصار مرجعاً لا يُتجاوز. وكذلك الأمر بالنسبة للأستاذ الحاج الهاشمي سلاوي الذي احتضنته مدينة سلا وأعطته جزءاً من اسمه، فكان سفيراً لهذا الفن في القرن العشرين وجسراً بين الجيل التليد والأجيال الصاعدة.
ومن رواد الملحون أيضاً الشاعر محمد بن علي أومكيل الذي طوّر قصيدة الملحون وأضفى عليها بُعداً صوفياً عميقاً، فصارت قصائده محطة للتأمل والسمو الروحي. وفي مدينة مكناس برز الحاج عمر القيطون شاعراً ومنشداً جمع في أدائه بين الجمال الصوتي والعمق الدلالي. أما في مراكش فكانت تتألق نجوم من أمثال الشيخ إبراهيم أبوزيد الذي رسّخ حضور الملحون في عاصمة الجنوب. وفي سلا تحديداً نبع عباقرة نسجوا قصائد باتت كلاسيكيات لا غنى عنها في ذاكرة هذا الفن الأصيل.
رواد أضاؤوا الطريق وخلّدوا التراث عبر دواوين خالدة
من أبرز رواد فن وموسيقى الملحون بالمغرب الشيخ عبد القادر العلمي (سيدي قدور العلمي) الشاعر الصوفي الذي دفن في مكناس، والذي يُعتبر معلماً أساسياً للمتصوفة والحرفيين، حيث جمع بين المديح النبوي والحكمة الشعبية. كما برز الجيلالي امتيرد (بوعلام الجيلالي) بصوته الوقور وقصائده الاجتماعية، والحاج الحسين التولالي، وعمر اليوسفي، والشيخ بن عيسى الفاسي، وأحمد الكندوز، والحاج التهامي الهاروشي، وعبد العزيز المغراوي، ومحمد بن علي العمراني، وولد أرزين، والتهامي المدغري، وأحمد الغرابلي، والحاج إدريس بن علي لحنش (السناني)، والسلطان مولاي عبد الحفيظ، ومحمد بن علي المسفيوي الدمناتي، وأحمد سهوم الذي ساهم في دراسة الجذر اللغوي لكلمة «ملحون». هؤلاء الرواد، معظمهم حرفيون أو تجار أو علماء، حوّلوا الملحون إلى جسر بين العلماء والعامة، ينقل المعارف الدينية والاجتماعية بلغة شعبية بليغة. في سلا تحديداً، حيث تُقام «نزهة الملحون» سنوياً منذ أكثر من عقد، يستمر الإرث حياً من خلال جمعية إدريس بن المامون التي تكرم الرواد مثل الفقيد الحاج عبد الرحمان الكرومبي في الدورة 11 لعام 2025. يُؤدى الملحون عادة بأوركسترا تقليدية تضم الرباب (الآلة الرئيسية)، العود، الكمان، القانون، الدربوكة، والطبل، مع التركيز على النص الشعري أولاً ثم اللحن. القصائد تتناول مواضيع متنوعة: المديح النبوي، الحب العذري، المدح الوطني، النقد الاجتماعي، والحكم الشعبية. في السهرة السلاوية، أدى فنانون مثل أعضاء الجوق السلاوي قصائد للعلمي والجيلالي، مع تفاعل الجمهور الذي ردد الأبيات من حفظ، مما يعكس كيف أن الملحون ليس فنّاً نخبوياً بل شعبياً متجذراً.
أكاديمية المملكة حارسة الإرث العريق لفن الملحون
يؤدي فن وموسيقى الملحون بالمغرب دوره التراثي في زمن يتسارع فيه الإيقاع ويتغير فيه الذوق بفعل العولمة، ولا تقف أكاديمية المملكة المغربية مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي الوجودي. إذ تضطلع الأكاديمية بمهمة جليلة في صون فن الملحون وتوثيقه ودراسته دراسة علمية رصينة، وتجلّى ذلك في إصدار سلسلة من الكتب والأبحاث التي تُشرّح بنية هذا الفن وتستعيد ذاكرته المتناثرة في الروايات الشفهية والمخطوطات المنسية.
لقد دأبت أكاديمية المملكة المغربية على تنظيم لقاءات وندوات علمية دولية تجمع الباحثين والمختصين من المغرب والعالم للتداول في قضايا الملحون ومكانته في المنظومة الثقافية الإنسانية. كما أولت عناية خاصة لمشاريع التوثيق الأرشيفي للقصائد والألحان، وعملت على إعداد معاجم ومسارد تُيسّر الاشتغال على نصوص الملحون للأجيال القادمة من الباحثين. وفي هذا السياق حرصت الأكاديمية على إشراك أساتذة الملحون الحاملين لإرث أصيل في هذه الجهود التوثيقية، مؤمنةً بأن الأذن الخبيرة والذاكرة الحية لا يمكن أن يعوّضهما أي توثيق مكتوب مهما بلغ من الدقة.
غير أن العمل لا يقتصر على التوثيق الأكاديمي البارد، إذ تسعى أكاديمية المملكة إلى إحياء الممارسة الفعلية لهذا الفن من خلال دعم المواهب الشابة وتشجيع المبادرات الفنية التي تجعل من الملحون حاضراً في المشهد الثقافي المعاصر، لا متحفاً منسياً تزوره الأجيال الجديدة بفضول مقرون بغربة.
فن وموسيقى الملحون بالمغرب: خاتمة سهرة لا تنتهي
حين أسدل الشيخ جفنيه في ختام السهرة وأتى على آخر مقطع من إحدى قصائد التراث الملحوني، لم يتحرك أحد في القاعة. لم يصفق أحد فوراً. كانت ثمة لحظة صمت مقدس وكأن الحاضرين يتهيّبون كسر هذا السحر الذي نسجه الملحون ببطء وصبر طوال الساعتين المنصرمتين. ثم انبثق التصفيق كالمطر بعد جفاف طويل، مُعبِّراً عن امتنان عميق لا لعرض فني فحسب، بل لهذا اللقاء العجيب مع الذات.
يظل فن وموسيقى الملحون بالمغرب شاهداً على حضارة تؤمن بأن الروح البشرية أحوج ما تكون إلى الجمال حين تضيق عليها الدنيا، وأن الشعر الملحون بالموسيقى هو المسافة الأقصر بين الإنسان وما يعجز عن قوله. وطالما بقيت سلا تحضن رواة هذا الفن وتُديم سهراته، فإن جذوة الملحون لن تخبو، وستظل مضاءة بنار من لا يرضى بالنسيان.
