تبدأ الحكاية قبل أن تسقط الشمس خلف أسوار مراكش الحمراء. في ذلك التوقيت الذهبي الذي يُشعل آجر القصر القديم ويجعله يتّقد كالجمر، يبدأ الحشد يتدفق نحو قصر البديع كما تتدفق مياه رافد نحو بحيرة. أناس جاؤوا من أصقاع المملكة ومن أركان العالم: وجوه مضاءة بترقّب وعيون تحمل ذلك البريق الخاص الذي لا يُرى إلا عند عتبة الدهشة. انه المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش ، وهذا القصر الذي شهد مجد السعديين وعاش انهيارهم هو أكثر الأماكن على وجه الأرض أهلاً لاستقبال هذا الاحتفال الكبير بالحياة.
يقف المرء لحظة في ساحة القصر المترامية فيرتبك حساب الزمن. فأرض البديع الممتدة تحت نجوم الصيف المراكشية، بأعمدتها المهيبة وبركتها العظيمة التي تعكس السماء، تصنع من ألف عارض ومشارك مشهداً تعجز عنه العبارة. ليست مجرد خشبة مسرح، بل هي بوتقة تنصهر فيها الهويات الجهوية لمناطق المملكة المغربية في لحظة واحدة من الجمال والوحدة.
المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش: عرس موسيقي من رحم الأصالة
حين أطفأت الأضواء البيضاء وأشعلت مكانها مصابيح ملوّنة تتساقط على جلابيب العارضين كقوس قزح، أطلقت فرقة من سوس أصواتها الفريدة. الأجساد تهتز بإيقاع أحواش الأمازيغي، الأيدي ترفرف كأجنحة طيور تعرف طريق الفضاء. ثم انتقل البهاء من الجنوب إلى الجنوب الشرقي حين دخلت جماعة الغناوية بزياراتهم وقراقبهم، يرسمون في الهواء طقس تطهير قديماً قدم الصحراء. ليلة المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش ليست عروضاً متعاقبة، بل هي قراءة متواصلة في كتاب الهوية المغربية من ألفه إلى يائه.
على الجانب الآخر من الساحة، تنتظر جماعة الحمدوشية دورها بهدوء الواثق من أثره. وحين يحلّ الوقت وتنطلق الكمبري والقراقب بذلك الإيقاع المتصاعد، يجد الجمهور نفسه يتحرك من تلقاء نفسه كمن تتملّكه طاقة خفية لا يستطيع مقاومتها. ليس غريباً في ليالي المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش أن يرقص أستاذ جامعي متأنق إلى جانب طفل من الجنوب ما زال شعره يحمل غبار الطريق الطويل.
المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش: تاريخ عريق وولادات متجددة
لا يمكن الحديث عن المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش دون استحضار تاريخه المجيد الذي يمتد إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، في سنوات الاستقلال الأولى حين كانت المملكة تبحث عن معالم هويتها المستقلة وتنفض عنها غبار الحماية. فقد تأسس المهرجان عام 1960 كتعبير رسمي عن الإيمان بأن الفنون الشعبية ليست هامشاً ترفيهياً بل هي صميم الهوية الوطنية ونبضها الأعمق. وكان الاختيار على مراكش بكل مقاصده الرمزية: مدينة تجمع في حضنها منابع إبداعية تمتد من أعالي الأطلس إلى أعماق الصحراء.
عبر دوراته المتتالية التي تجاوزت الخمسين طبعة، شهد المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش لحظات فارقة في تاريخ الثقافة المغربية. ففي سنواته الأولى تحت رعاية المغفور له الملك محمد الخامس ثم الملك الحسن الثاني، كان المهرجان بمثابة اكتشاف متبادل بين مناطق المملكة لبعضها البعض، إذ كانت جماعات فنية من الريف تشهد لأول مرة تعبيرات الجنوب الصحراوي وتنبهر بها، وكانت فرق سوس تتعرف على فنون القبائل الجبلية. كان احتفالاً بالتعدد كمصدر للثراء لا للفرقة.
وفي سنوات الثمانينيات حين توسع المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش وشهد انفتاحاً دولياً، بات يستقبل فرقاً من دول إفريقية وعربية وأوروبية، فأصبح حواراً ثقافياً أنثروبولوجياً بين شعوب تتكلم بجسدها حين تعجز الكلمات. وقد استضافت طبعاته فرقاً من السنغال وغينيا ومالي وعمق المغرب الصحراوي، فكان القصر البديع كأنه مجمع أقوام يجمعهم ذلك التعبير الأبدي عن الوجود الإنساني عبر الرقص والإيقاع والأزياء.
المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش: فضاء البديع رواية أخرى
ثمة شيء استثنائي في اختيار قصر البديع مسرحاً رئيسياً للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش. فهذا القصر الذي شيّده السلطان أحمد المنصور الذهبي في نهاية القرن السادس عشر احتفالاً بانتصاره في معركة وادي المخازن، والذي هدمه لاحقاً المولى إسماعيل ليستخدم موارده في بناء مكناس، يحمل في حجارته المتآكلة حكايات السلاطين والغزوات والثروات المبددة. حين يقف راقص أحواش على هذه الأرض، لا يرقص فوق تراب عادي، بل يرقص فوق طبقات من التاريخ.
يمنح البديع المهرجانَ الوطني للفنون الشعبية بمراكش بُعداً إضافياً يتجاوز الفرجة إلى التأمل. فالسماء المفتوحة والأعمدة الصامتة تجعل من كل عرض حواراً بين الإنسان في عابريته وحجر القصر في أبديّته. وفي الليالي التي تمتلئ فيها البركة الكبرى بصورة النجوم المنعكسة، تتضاعف جمالية العرض حتى يبدو كأنه يجري في الوقت ذاته على الأرض وفي السماء.
يمكن الاطلاع أيضا على فن وموسيقى الملحون بالمغرب
الدورات الكبرى محطات في ذاكرة المهرجان
تحتفظ ذاكرة المتابعين بدورات بعينها من المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش وكأنها علامات فارقة في مسيرة حياتهم. تُروى بتفاصيلها كما يُروى لقاء محبين نادر: تلك الليلة التي ظهرت فيها فرقة الكدية المجمّعة وجمعت فنون مائة فنان في عرض واحد أبهر الحضور ببهاء تشكيلاته. أو تلك الطبعة المفصلية مطلع الألفية الثالثة حين أُدرجت فنون منسية كانت في طريقها إلى الاندثار فأُنعشت بفعل هذه الواجهة الوطنية الكبرى التي ضخّت فيها دماءً جديدة.
وقد أسهم المهرجان عبر تاريخه في إنقاذ تراث مهدد بالضياع أكثر من أي مشروع توثيقي آخر. ذلك أن العرض الحي على خشبة تشاهدها الألوف يصنع من الفن الشعبي قيمة يشعر بها أصحابها قبل غيرهم، فيتمسكون بها ويورّثونها بدلاً من الاستسلام لإغراءات التخلي عنها أمام تيارات الحداثة الزاحفة.
يقول الأستاذ محمد الكنيدري رئيس المهرجان في افتتاح دورة السنة الماضية لسنة 2025: “بكل عاطفة جياشة وفخر كبير، نفتتح الدورة الرابعة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، وهو احتفال استثنائي يُقام تحت شعار ملهم: «التراث اللامادي في حركة». هذا الشعار النابض بالحياة يُعيد إحياء الذاكرة الجمعية لأمتنا، ويسلط الضوء على القيمة التي لا تُقدَّر لتراثنا الثقافي الحي في إيقاعاته وأغانيه ورقصاته المتوارثة جيلاً بعد جيل.
ويضيف الكنيدري : “تحمل هذه الدورة رمزية قوية بشكل خاص، لأنها تتزامن مع الذكرى الأربعين لتأسيس جمعيتنا «الأطلس الكبير»، المنخرطة منذ أربعة عقود في حفظ وتثمين تراثنا الثقافي الثمين. واليوم أكثر من أي وقت مضى، أصبح مهرجاننا فضاءً مقدساً للذاكرة الحية، حيث تتراقص الروح المغربية على إيقاع تقاليدها، ويروي التاريخ نفسه عبر إيماءات رشيقة وألحان عريقة.”
“يشرفنا كثيراً أن نستضيف الصين كضيف شرف، هذا البلد الذي يأتي بتراثه الفني العريق ليُثري هذا اللقاء بحكمته وغموضه الساحر. يُعد هذا الحضور الاستثنائي بمبادلات قيمة وحوار ثقافي يهزّ قلب كل واحد منا.
من بين المستجدات البارزة، نُعلن عن عودة «ليلة النجوم» التي طال انتظارها، لتضيء مراكش بأمسية مرموقة مكرسة للاحتفاء بالعبقرية الفنية المغربية. وإلى جانب ذلك، ستقدم «الأمسيات الموضوعاتية» بقصر البديع المهيب لوحة آسرة من التعبيرات الفنية، لتخلق لحظات ساحرة لا تُنسى.
إن المهرجان الوطني للفنون الشعبية يجسّد أكثر من أي وقت مضى تلاحماً وطنياً حقيقياً، واحتفاءً بمواطنة نابضة على إيقاع الطبول والأوتار والأصوات التي تغني عظمة مملكتنا الأبدية. فلتُوقِظ لحظات التآخي هذه فينا الفخر العميق بالانتماء إلى هذا الوطن الكريم والمضياف.”
امتناننا كبير لكل من يجعل هذا اللقاء ممكناً: فرقنا المخلصة، شركاؤنا الأعزاء، وأنتم أيها الجمهور الشغوف، الذي تشكلون الروح الحقيقية لهذا
المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش: الليلة الكبرى
حين اقترب منتصف الليل وأتت الفرقة الختامية لتُقفل السهرة بتلك الأغنية الجماعية المتصاعدة، أشعل قصر البديع آخر ما عنده من سحر. الحشود التي جاءت من خلفيات مختلفة وأمزجة متفاوتة وجدت نفسها في لحظة واحدة: تهزّ رؤوسها بالإيقاع ذاته، وتبتسم ذلك الابتسام الذي يشير إلى شيء يُعاش لا يُقال.
هذا هو سر مهرجان الفنون الشعبية بمراكش واستمراريته لأكثر من ستة عقود: أنه لا يقدم للزوار شيئاً غريباً يُشاهد من بعيد، بل يمدّ إليهم جسوراً خفية نحو ذلك الجزء العميق في كل إنسان الذي يعرف الإيقاع قبل أن يتعلم الكلام. وما دامت مراكش تُضيء قصر البديع في صيف كل عام لهذه الغاية، فإن الشعوب ستجد دائماً طريقها إليه، لأن ما يجري هناك ليس مجرد فرجة، بل هو ذاكرة مشتركة تتجدد وجمال يأبى النسيان.
