في حي من أحياء التوسعة بمدينة تطوان العريقة، المصنّفة تراثاً إنسانياً عالمياً من قِبل اليونسكو، تمتزج العراقة التاريخية بالفنون التشكيلية. هنا، حيث الأبيض يسود جدران البيوت وحيث تتقاطع التأثيرات الأمازيغية والعربية والأندلسية، يرتفع صرح استثنائي في تاريخ الفنون المغربية والمتوسطية على حدٍّ سواء: المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، الذي يتجاوز كونه مؤسسة تعليمية ليغدو فضاءً للذاكرة والهوية والانفتاح على الآخر.
المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان: ميلاد من رحم التقاطع الحضاري
لا يمكن فهم المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان بمعزل عن سياقه التاريخي المركّب. فقد وُلد هذا الصرح عام 1945 في خضم الحماية الإسبانية، حين بادر الفنان الإسباني ماريانو بيرتوشي إلى إنشاء مدرسة للفنون والحرف داخل نسيج المدينة العتيقة. لم يكن الاختيار اعتباطياً؛ إذ كانت تطوان، المُلقَّبة بـ”دمشق المغرب” أو “غرناطة الصغيرة”، تحمل في عروقها إرثاً بصرياً وجمالياً متراكماً منذ وصول الأندلسيين المهاجرين في القرن الخامس عشر، الذين أعادوا بناء علاقتهم بالمكان الجديد عبر الزخرفة والعمارة والموسيقى والخط..
تعود نشأة المعهد إلى سنة 1945، حيث أسسه الرسام الإسباني ماريانو بيرتوشي تحت اسم “المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة”، لتكون نواة للفن التشكيلي بالمغرب. وبعد استقلال المملكة، دشّن الملك محمد الخامس مبناها الجديد سنة 1957، لتصبح “المدرسة الوطنية للفنون الجميلة”، قبل أن تتحول سنة 1993 إلى معهد وطني للتعليم العالي يتبع وزارة الثقافة. ومنذ ذلك الحين، انخرط المعهد الوطني للفنون الجميلة.
لم يكن الفنان الإسباني يؤسس مدرسة فحسب، بل كان يوثّق حواراً جمالياً قائماً منذ قرون. وحين استقل المغرب عام 1956، لم تتعامل الدولة الناشئة مع المعهد باعتباره موروثاً استعمارياً ينبغي تجاوزه، بل أدركت أنه رصيد ثقافي ينبغي استيعابه وتطويره. فانتقلت الوصاية إلى وزارة التربية الوطنية ثم إلى وزارة الثقافة، وجرى تعريب المناهج تدريجياً دون القطيعة مع الموروث التشكيلي المتوسطي. وفي مرحلة لاحقة، ارتقى المعهد إلى مستوى التعليم العالي المتخصص، ليُصبح مؤسسة تمنح دبلومات وطنية معترفاً بها في الفنون البصرية والتطبيقية.
المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان: فلسفة تكوينية بين الأصالة والحداثة والانفتاح الثقافي
ما يميز هذا المعهد الأكاديمي المتخصص في الفنون الجميلة عن غيره من المؤسسات الفنية المغربية هو تلك الفلسفة التكوينية التي تجمع بين الأكاديمية الصارمة والجذر التراثي العميق. فالطالب في هذه المؤسسة لا يتلقى فنوناً مستوردة جاهزة، بل يُدرَّب على استيعاب التقنيات الكونية انطلاقاً من سياقه الحضاري المحلي.
التكوين الأكاديمي في مجال الفنون التشكيلية
تشمل برامج التكوين التي يقدمها المعهد مسارات متعددة ومتكاملة: يرتكز مسار الرسم والتصوير على مقاربة تجمع بين الأكاديمية الكلاسيكية الأوروبية وتقنيات الحداثة التشكيلية، مع تشجيع الطلاب على استلهام الشكل والضوء والألوان من الفضاء البصري لتطوان بما يتضمنه من شطآن وجبال وأسواق ومدينة عتيقة. أما مسار النحت والفنون الفضائية، فيتيح للطلاب استكشاف مواد محلية كالجبس والخشب والحجارة، مستلهمين التراث المعماري المغربي في أبعاده الثلاثية. وفي مسار فنون الزخرفة والخط، يتعمق الطلاب في دراسة الأرابيسك والهندسة الإسلامية والخط العربي، ليس بوصفها حرفة فحسب، بل بوصفها فلسفة بصرية كاملة. ويُعدّ هذا المسار من أكثر المسارات خصوصية في المعهد نظراً لندرة نظيره على المستوى العالمي. ويجمع مسار التصميم الغرافيكي والبصري بين النظرية السيميائية والتطبيق التقني، مُعدّاً الطلاب لسوق شغل إبداعية واسعة من الإشهار إلى هوية المؤسسات. وأخيراً، يُشكّل مسار التربية الفنية رافداً رئيسياً في المنظومة التربوية الوطنية، إذ يخرّج أساتذة يحملون رؤية جمالية راسخة إلى مدارس وثانويات المملكة.
يتميز المعهد أيضاً بورش تطبيقية مجهزة بأدوات متخصصة ومحاترف للطباعة الحجرية والحفر على المعادن وصياغة الزجاج، مما يجعل التكوين تجربة حسية شاملة لا تنحصر في المدرجات والكتب.
المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان: بوابة المغرب نحو المتوسط الثقافي
تحتل تطوان موقعاً جغرافياً وجيوسياسياً استثنائياً: على مسافة أربعة عشر كيلومتراً من مضيق جبل طارق، تتطلع المدينة نحو إسبانيا وأوروبا في امتداد تاريخي لم تقطعه الحدود السياسية. وقد استثمر المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان هذا الموقع ليبني شبكة من الشراكات المتوسطية التي تُضفي على تكوين طلابه بُعداً دولياً حقيقياً.
فعلى صعيد التعاون الإسباني، تربط المعهد علاقات راسخة مع مدارس الفنون في مدريد وغرناطة وملقة، تشمل برامج تبادل طلابي وورشات مشتركة وإقامات فنية. أما على الصعيد الفرنسي، فيستفيد المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان من الشراكات مع المركز الثقافي الفرنسي ومدارس الفنون الجميلة في مدن كباريس وليون ومونبلييه. وعلى المستوى الأفريقي والعربي، يسعى المعهد إلى ترسيخ دوره بوصفه نموذجاً ومركزاً إشعاعياً لتجارب الفن المغربي والمتوسطي في القارة الأفريقية.
وتتجلى هذه الانفتاحية أيضاً في الفعاليات التي ينظمها المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان طوال العام: من معارض نهاية السنة التي تجمع أعمال الطلاب بجانب أعمال فنانين دوليين مدعوين، إلى الملتقيات الفكرية حول علاقة الفن بالهوية وحوار الحضارات، إلى أيام الأبواب المفتوحة التي تحوّل فضاءات المعهد إلى صالة عرض حية في قلب المدينة.
يمكنك الاطلاع أيضا على معرض تشكيلي بالمركز الثقافي الفرنسي الدارالبيضاء
المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان وتحديات المشهد الفني المغربي المعاصر
لا يمكن الحديث عن المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان دون الإقرار بالتوترات الخلاقة التي يعيشها في قلب المشهد الفني المغربي المعاصر. فمن ناحية، ثمة نقاش دائم حول العلاقة بين التكوين الأكاديمي والممارسة الفنية المستقلة: هل يُفرز المعهد فنانين حقيقيين أم يُنتج أساتذة فنون فحسب؟ ومن ناحية أخرى، يتصاعد السؤال حول مدى قدرة المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان على مواكبة الثورة الرقمية التي أعادت رسم خريطة الإبداع البصري عالمياً.
كما تُطرح إشكالية ارتباط خريجي المعهد بسوق الفن: فرغم أن المغرب يشهد نمواً ملحوظاً في عدد الغاليريهات وصالات العرض الخاصة والمزادات الفنية، يجد كثير من الفنانين الشباب صعوبة في تحويل تكوينهم الأكاديمي إلى مسار مهني مستدام. وهو ما يستدعي من المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان تطوير وحدات تكوينية في ريادة الأعمال الإبداعية وإدارة المسارات الفنية.
رهانات الغد في عالم متحوّل
يقف المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان اليوم أمام منعطف حاسم. فالرقمنة ليست مجرد أداة تقنية تُضاف إلى المناهج، بل هي إعادة تعريف جذرية لماهية الفن ووظيفته ومتلقّيه. وتكييف مؤسسة ذات موروث كلاسيكي عميق مع متطلبات الفنون الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي الإبداعي والفضاء الافتراضي يظل تحدياً بنيوياً يستدعي إرادة سياسية وموارد مالية وكفاءات بشرية مجدّدة.
غير أن المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان يمتلك في صميمه ما لا تستطيع أي تكنولوجيا أن تمنحه: جذراً حضارياً ضارباً في العمق، وإرثاً من الحوار بين الثقافات لا يُزيَّف، ومدينة كاملة بجمالياتها وأضوائها وألوانها تُشكّل في حد ذاتها أفضل أطلس بصري يمكن أن يتكوّن فيه فنان طموح. ويبقى الرهان الأكبر هو أن تصون هذه المؤسسة روحها التأسيسية وهي تفتح أبوابها على مصراعيها لعالم يتغير بسرعة لم يشهدها التاريخ من قبل.
