الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026: كيف جمعت بين التراث والقراءة؟

الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026، هل جربت مرة أن تقرأ مدينة بدلاً من كتاب؟

أنا أفعل ذلك الآن. في الرباط العاصمة العالمية للكتاب 2026 الساعة تشير إلى السادسة والنصف من صباح ربيعي معتدل، وأنا أسير وحدي في أزقة القصبة العتيقة. تتسلل أشعة الشمس الأولى بخجل عبر الجدران المطلية باللون الأبيض والأزرق، ثم تنكسر على أعمدة برج حسان التي تصمد هناك منذ قرون.

وهنا، في هذه اللحظة تحديداً، يخطر لي سؤال بسيط لكنه عنيف:

لماذا نحتاج إلى كتاب والمدينة نفسها تقرأ؟

لأن الرباط، أيها القارئ، ليست مجرد عاصمة إدارية. هي كتاب مفتوح على الهواء الطلق. فصوله خطتها أيدي الأمازيغ والعرب والأندلسيين وغيرهم. وكل حجر فيه حكاية، وكل زقاق ضيق قصة لم تُروَ بعد.

عندما أخبرتني اليونسكو: هذه مدينة تستحق القراءة

لم أتفاجأ عندما عرفت أن اليونسكو أدرجت الرباط عام 2012 ضمن التراث العالمي للإنسانية تحت عنوان: “الرباط، عاصمة حديثة ومدينة تاريخية: تراث مشترك”.

لكن ما أثار دهشتي حقاً هو خبر آخر: الرباط تحمل اليوم لقباً جديداً لا يقل بريقاً – عاصمة عالمية للكتاب 2026.

توقف للحظة معي. أليست مصادفة غريبة أن تختار اليونسكو مدينةً يحمل حجرها الأقدم معنىً، وينطق شارعها الأضيق بحكاية؟ ليست مصادفة أبداً. الرباط بتاريخها العريق وتراثها المتراكم، تقدم نفسها بوصفها الفضاء الأكثر منطقية لاستضافة الكتاب. ذلك الابتكار البشري الذي ظل، على مر العصور، الحارس الأمين لذاكرة الحضارات.

دعني أسألك: أين يمكن للكتاب أن يكون في بيته أكثر من مدينة كل جدار فيها يشبه صفحة؟

الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026: حين تتحول الأسوار إلى كتاب مفتوح

صدقني، لا تحتاج إلى مكتبة لتقرأ تاريخ الرباط. اتركني آخذك في جولة قصيرة – وأقصد ذلك حرفياً.

أبدأ من قصبة الوداية. تقف هناك شامخة فوق النقطة التي يلتقي فيها نهر أبي رقراق بالمحيط الأطلسي. إنها الصفحة الأولى التي لا يمكنك تجاوزها. وهذا ليس كلاماً شعرياً فقط.

اللافت أن هذه القصبة بالذات اختيرت لتكون موقعاً للجولة الحضرية التعليمية الرقمية ضمن فعاليات “الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026”.

تخيل معي: إرث من القرن الثاني عشر يلتقي بتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز. كأن المنظمين قرروا أن يزوّجوا التراث بالرقمنة في عقد واحد. وأنا أتساءل: أليس هذا هو جوهر الكتاب نفسه؟ مزج القديم بالجديد، وتخزين الذاكرة بوسائل الحاضر؟

ثم أمشي بضع مئات من الخطوات. أرى صومعة حسان تقف هناك شاهدة على شموخ معماري انتهى قبل اكتماله.

وهنا أتوقف قليلاً لأن المشهد مؤثر.

هذه الصومعة تقول لي – ويقول لك أنت أيضاً – إن العمل الكبير لا يقاس باكتماله. يقاس بما يتركه في ذاكرة الناس. ألا يشبه ذلك الكتب غير المكتملة؟ الروايات التي مات مؤلفوها قبل أن يكتبوا الخاتمة؟ لكنها تبقى خالدة في قلوب من قرأوها.

حين تخبرك المعالم أن المعرفة تتراكم

الآن وجهني نحو موقع شالة التاريخي. إنه ليس مجرد أطلال رومانية وإسلامية متداخلة. بالنسبة لي، هو استعارة حية عن التراكم المعرفي.

الفينيقيون. الرومان. المرينيون. كل هؤلاء تركوا بصماتهم في هذا المكان نفسه.

والرباط تفعل الشيء نفسه: ثقافات متقاطعة، لغات متعددة، مدارس فكرية تتداخل وتتناغم.

وهنا ألمس شيئاً مهماً: هذه الازدواجية – بين القِدَم والتجدد – هي التي منحت الرباط قدرتها الفريدة على استيعاب الكتاب والمبدعين من شتى الخلفيات. المدينة لا تسأل عن أصولك. تسأل: ماذا تريد أن تحكي؟

في هذا السياق، سيقام يوم الخميس 30 أبريل فعالية تحمل عنواناً جميلاً: “الكتاب جسر بين الماضي والمستقبل”، يستضيفها معرض الأرشيف المغربي.

وهذا – برأيي – ترجمة حرفية لفلسفة الرباط: لا فصل بين ما خلّفه الأجداد وما يكتبه الأحفاد. إنه خيط واحد ممتد من الطين، إلى الورق، إلى الشاشة.

أكثر ما لفتني كان كلمة السيد شرف أحميميد، مدير المكتب الإقليمي المغاربي لليونسكو في حفل انطلاق فعاليات الرباط عاصمة للكتاب لسنة 2026، دعوني أنقل لكم ما قاله حرفياً، لأنه يستحق الوقوف عنده:

“الرباط تراث عالمي للإنسانية منذ سنة 2012، وهي عاصمة عالمية للكتاب (…) في بلد معرفة، ونقل للمعرفة (…) يجعل الثقافة إرثاً للحفظ، في سبيل الثقافة العالمية.” وكأن التتويج لم يكن سوى اعتراف رسمي بما هو قائم أصلاً.

وهذا يذكرني بسؤال طالما حيرني: هل يصنع اللقب المكان، أم المكان هو من يصنع اللقب؟

في حالة الرباط، الجواب واضح. روحها وتاريخها وعمرانها جعلوها عاصمة للكتاب دائماً. واليونسكو جاءت لتؤكد ما نعرفه.

الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026: بنية تحتية للثقافة

دعني أكون صادقاً معك: لا يمكن لمدينة أن تصبح عاصمة للكتاب لمجرد أن لديها تاريخ عريق. تحتاج إلى شيء آخر: منظومة ثقافية راسخة. وهنا تتفوق الرباط على غيرها.

المكتبة الوطنية للمملكة المغربية. المكتبات الوسائطية في أحياء مثل التقدم ومدينة العرفان، مراكز ثقافية. معاهد. مسارح. متاحف. المؤسسات العمومية والخاصة. كلها تعمل معاً في انسجام، وكأنها أوركسترا تعزف سيمفونية المعرفة.

وهنا أستحضر ما قاله وزير الشباب والثقافة والتواصل، السيد محمد مهدي بنسعيد، في كلمته عند انطلاق فعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب:

“وقد أُحيط فيها الكتاب بمنظومة بيئية من الخزانات والمكتبات الوسائطية والمراكز الثقافية والمعاهد والمسارح والمتاحف والمؤسسات العمومية والخاصة، التراثية والثقافية والفنية وغيرها، جعلته في عمق تدبير عمومي يسعى للنهوض به وجعله مع باقي المكونات الثقافية والفنية في صلب التنمية الشاملة.”

وليس هذا وليد 2026. هذه المنظومة نتاج عقود من الاستثمار الثقافي المدروس. المعرض الدولي للنشر والكتاب الذي تحتضنه الرباط سنوياً هو أكبر دليل. مئات دور النشر العربية والأجنبية. آلاف العناوين. حدث ثقافي يشعر فيه المواطن العادي أن الكتاب ليس ترفاً – بل حاجة يومية مثل الخبز والماء.

الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026، نافذة مشرعة على العالم

ربما تتساءل: ألا يهدد هذا الانفتاح الهوية؟ ألا يذيب التراث في حداثة باردة؟

الإجابة التي وجدتها في الرباط هي: لا

ما يميز علاقة هذه المدينة بالكتاب أنها لم تجعل من تراثها جداراً يفصلها عن الحاضر. بل جعلت منه نافذة مشرعة على العالم. الجولة الحضرية التعليمية الرقمية في قصبة الوداية تجمع بين إرث القرون الوسطى وتقنيات القرن الحادي والعشرين. إصدار العدد الرابع من مجلة “رويا” المخصص للتراث يؤكد أن الأصالة مادة خصبة لا تنضب .

التراث ليس ما نعيش فيه، بل ما نعيش به.

وأخيراً… رائحة الكتب والنعناع معاً

في نهاية جولتي، فعلت شيئاً بسيطاً. مشيت في شوارع الرباط القديمة بدون خريطة. بدون هاتف. بدون هدف.

شممت رائحة الكتب المعروضة على الأرصفة. كانت بجانبها أكياس النعناع الطازج والتوابل الملونة.

وهنا، في هذا المشهد العادي تماماً، أدركت الحقيقة الكبرى:

الرباط لم تختَر الكتاب عرَضاً. هي وُلدت معه. تتنفس به. تراه في حجارتها قبل أن تراه في ورقها.

أسألك الآن: متى ستأتي لتقرأ هذه المدينة بنفسك؟ لأن الكتاب، أي كتاب، يظل حبراً على ورق حتى تأتي أنت وتمنحه الحياة. والرباط، بكل أسوارها وأزقتها وأبراجها ومعالمها، ومكتباتها تنتظركم بشوق منقطع النظير، وتهمس : أنا الرباط عاصمة الأنوار، أنا الرباط عاصمة الكتاب.

Exit mobile version